احمد شنكالى

فتحت عيناي على الحياة يتيماً ، لم احفظ تفاصيل وجه والدي بتاتاً لانه استشهد قبل أن ادخل السبعة اشهر من عمري ، كل ما املك من ذكراه و رائحته هي صورة واحدة معلقة في هويته الشخصية تعود للعام 1980 ، صورة محمضة لا يتبين فيها الا شاربه و هي بيضاء و سوداء قاتمة ، فتحت عيني و الفقر يلاحقني من كل الاطراف ، كان الفقر واضحاً في ملامح والدتي و اخواتي الثلاث اللواتي يكبروني بالعمر ، تجاعيد وجه والدتي لم تكن تجاعيد العمر بل تجاعيد قدرها الاسود الذي جعلها تعيش الم رحيل اخيها و زوجها و شقيق زوجها ، ثلاث ضربات موجعة في عام واحد ، و لكثرة تأثرها برحيلهم جعلها الامر جسد دون روح ، اخواتي كانت ابتسامتهم حزن و ضحكتهم دمعة ، ان تعي على الدنيا و تعيش في جو حداد امر مؤسف!

كنت الولد الوحيد لعائلتي و اخر العنقود ، مدلل نوعاً ما ،مجتهد في الدراسة ، قوي الحس ، احصل على ما اريده الى ان عاد عزرائيل و عصابته و في ايديهم كفن ابيض لمن هذه المرة ، انه للمراة التي لم تضع وسادة تحت راسها منذ 11 سنة منذ رحيل زوجها و شقيقها ، المراة التي لم تنزع الغترة السوداء من على رأسها ، المرأة التي لم تلبس ملابس بيضاء منذ 11 سنة ، فاجأئها عزرائيل و اتى لها بداء ليس له دواء ، دخلت والدتي غرفة العمليات الكبرى في احدى مستشفيات الموصل و خرجت بثدي واحد لانها كانت تعاني من سرطان الثدي ، نجحت العملية و لكنها لم تنهي المرض الذي انتشر الى كل ارجاء جسمها الا ان قتلها شر قتل.

بعد رحيل والدتي و انا في الخامس الابتدائي الفقر كشر عن انيابه مرة اخرى ، و لكن هذه المرة بثوب اكثر بشاعة ، فهذه المرة لا املك في الدنيا الا اخت عمرها 12 عاماّ و تكبرني بعام واحد ، فقر هذه المرة اختلف كثيراً عن سابقه فهذه المرة خسرنا في عمليات و مرض والدتي كل ما كنا نملكه ، فقر هذه المرة لم يترك لنا الا اغطية النوم و اربعة جدران و الركوع على ابواب الاقرباء.

وصلت لمرحلة المتوسطة و لسوء الاوضاع المادية و لانشغال خالي بامور البساتين و المواشي اضطررت ان اترك الدراسة ، زملائي في الدراسة الذين لم يكونوا اشطر مني و لا اكثر ذكاء اصبحوا دكاترة و مهندسي بترول و محامين و ضباط الا ان الفقر لم يترك لي فرصة واحدة للاستمرار بحلمي.

سكنت في حي فقير يسكنون في بيوتهم 3 اشهر فقط و الاشهر المتبقية يقضونها في زراعة البساتين ، عشت حياتي بين اطفال جياع و ثياب رثة ، لا اعرف قيادة الدراجة الهوائية لان الحي باكمله لم يكن يملك دراجة هوائية ، لا املك صور كثيرة لطفولتي لان اهلي لم يكن لديهم كاميرا ، ذهبت مع بيت خالي الى البساتين و زراعتها و فشلت فيها ، ارسلوني الى رعي المواشي فشلت في رعيها ايضاً ، ما هذا القدر ليس بمقدروك اكمال الدراسة و تفشل في الزراعة و لا تفلح لرعي المواشي ، اصبحت الطفل الضال في نظر الجميع ، الذي لا يصلح لاي شيء ، الذي لا ينجح في شيء.

في ايام تيتمي في الابتدائية و المتوسطة ، لم اكن املك دينارأ لدفع اجور نقل المعلمين كان دائماً شخصين يدفعون عوضاً عني و هما زملائي ” رنا و جلال ” لم اكن احب الغناء و التمثيل و لكني كنت اغني في الاحتفالات الخاصة بالمدرسة و امثل في المسرحيات فقط من اجل ان تتناسى المدرسة او تتغاضى عني في يوم دفع الاجور.

3 اعوام المتوسطة قضيتهم ببنطال واحد و حذاء واحد ، البنطال كان ماروني اللون كل ما تغير لونه تقوم زوجة ابنه خالي بقلبه الى الجانب الاخر و الحذاء من كثرة التصليح اصبحت الخيوط و المسامير اكثر من الجلد نفسه ، ثلاث اعوام رغم الذهاب الى المدرسة جائعاً و العودة منها على امل ان اسد جوعي بشيء ، لكني لم ادع الفقر ان يقتلني و ان لم اكن في مقدمة الصف لم اكن يوم في مؤخرتها ايضاً .

في فترة المراهقة ، عشقت مبكراً و سرقت من اجل من اعشقها لم اسرق شيء كبير و انما قيمة طرد رسالة و وردة ، لم اسرق من اجل السرقة او من اجل نفسي ، سرقت من اجل العشق ، اتذكر جيداّ كان في صيف عام 1998 ، باع خالي نعجتين لشخص و قال لي اذهب و اجلب النقود ، ذهبت و اتيت بالنقود الا ان بعد عد النقود لعدة مرات تبين ان المبلغ ينقصه ما يقابل ” 5000 ” دينار عراقي في الوقت الحالي ، سرقت لاشتري لمن عشقتها في مراهقتي وردة و ضرف رسائل اعبر فيه عن عشقي لها ، الا ان السحر انقلب علي ، و طردني خالي من المنزل و لم ادخل البيت تلك الليلة ، لم تمر ليلة و لم اتذكر بقائي في الخارج ليلة كاملة في مجمع شبه خاوي من البشر ليس في شوارعه الا انا و الكلاب ، و بعد فشلي في الدراسة و في البساتين و في رعي الاغنام فشلت في امتحان الثقة ايضاً و في العشق ايضاً.

الفقر لاحقني كثيرا و كذلك الفشل ، و لكني لم ابقى مكتوف الايدي امامهم ، في مرحلة تركي للدراسة كنت امشي ساعات لاحصل على كتاب لاقرئه ، كتب تلك الايام نادراً ما كانت مجلدة او جديدة ، كل من كان لديه كتب او يقرأ الكتب يصفونه بالفيلسوف سخرية منهم ، حاولت ان لا يتراجع مستواي الثقافي و الامر الوحيد الذي نجحت فيه هو هذا الامر ، انه رغم تركي للدراسة و فشلي فيها نجحت في ان ابقى في صف زملائي من الناحية الثقافية ، دخلت الكتابة من باب الشعر و تجاوزت على الشعر في كتابة المقالة و تمردت على المقالة في الصحافة و تكبرت على الصحافة في حصرها في النقد البناء و عبرت مرحلة النقد وظهرت على الشاشات و حاولت قدر الامكان رسالة الناس التي لا يعرفون يعبرون عنها او يخافون التعبيير ، الامور التي كان الناس يخافون قولها في البيت قلتها على الفضائيات ، المسائل التي تجنب الجميع من التطرق لها ، حللتها و شرحتها في الاعلام ، حاولت قدر الامكان ان اكون عنواناً لكسر حاجز الصمت ، دفعت ضريبة الرسالة التي كنت احملها في صدري و امنية حياتي في ان اصبح محامي للدفاع عن حقوق الناس و التي فشلت فيها و نجحت في الدفاع عنهم كصحفي او سياسي ، دفعت ضريبة ليست بقليلة و هي اجباري على اخراج عائلتي من العراق و الابتعاد عنهم ، و الملاحقة و المتابعة و التهديدات المستمرة و كسر سيارتي و منع الناس من التعامل معي او العمل معي.

كان حلمي ان اصبح محامي و ان اعيد للناس حقوقها و حقوقي و لكني لم انجح في ذلك و لم انجح في اعادة الحق الى اصحابه و انا صحفي او سياسي او ناقد و لكني نجحت في اني لم ادع الفقر يقتلني و الفشل يلاحقني للابد.