خدر شنگالي

أن موضوع تجديد الفكر الديني أصبح اليوم من المواضيع والمسائل المهمة والمتداولة بشكل كبير في المجتمعات وخاصة المجتمعات التي لاتزال تعاني من تراكمات وترسبات الماضي والتي أصبحت لاتنسجم ولا تلائم مع واقعنا اليوم وما وصل إليه التقدم والتطور في الفكر البشري ، وأصبح هذا الموضوع يستقطب الكثير من المثقفين والمتنورين الذين يرون التجديد ضرورة حتمية ومطلبا اجتماعيا بالشكل الذي يلائم ويواكب مستجدات الواقع وتطورات العصر .

قبل أن نغوص في اعماق الموضوع ، علينا أن نعرف ماهو التجديد ، فالبعض يعني بالتجديد استحداث أدوات جديدة لقراءة النص الديني، والاستفادة من النظريات الجديدة في حقل علم المعرفة، وهو ما قد يقود إلى نتاج جديد على صعيد الرؤى والفتيا. والبعض يعني به إحداث تغيير في الخطاب الديني ليكون أقرب إلى حاجات الناس وأفهامهم. بينما يرى بعض آخر أن التجديد هو تبديل بعض القوانين والأحكام الشرعية التي لا تتوافق من وجهة نظرهم مع العصر بأخرى أكثر ملاءمة نتيجة لتعارضها مع بعض مقررات حقوق الإنسان ذات المرجعية الغربية، والمعترف بها عالميا، أو عدم صلاحيتها باعتبارها أحكاما تاريخية كانت تخاطب مجتمعا وحاجات مختلفة  ويرى البعض الآخر بأن التجديد مساوق لمخالفة السائد، فكل نتاج يتوفر على عنصر المخالفة يعتبر تجديدا بغض النظر عن مدى وجاهة المخالفة وعلميتها.

فالتجديد يمكن فهمه بثلاث كلمات مفتاحية : إحياء وتخليص ومواكبة ، فالاحياء يكون بتفعيل واحياء أمور جوهرية في الدين اهملها الناس أو اندرست لقلة التداول والممارسة،  أما التخليص فيكون بتخليص الدين مما علق به من شوائب وانحرافات في افهام المجتمع، والمواكبة تكون بانزال الدين وتطبيقه في الحياة .

ان الحاجة إلى تجديد الفكر الديني قد اصبحت ضرورة تاريخية واجتماعية ملحة ومهمة ليكون أقرب إلى فهم الناس وواقعهم من ناحية واقرب إلى لغة العصر من ناحية أخرى وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف الهندي الكبير اوشو : لقد توفيت آلهة الماضي ولايمكن اعادة احيائها، فقد اصبحت منفصلة عن وعي الانسان كونها قد خلقت بواسطة عقل غير ناضج، لقد هرم الانسان وأصبح محتاجا لرؤية جديدة عن الآلهة ، محتاجا إلى نوع جديد من الدين والى التحرر من ماضيه،  لأنه عندئذ فقط يصبح الغد ممكنا ، وعلى القديم أن يموت من أجل أن يتواجد الجديد .

ان التقدم الحضاري المتمثل في الحضارة الغربية الفكرية والثقافية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وأسسها الفلسفية ، هذه الحضارة التي نتفاعل مع منتجاتها طوعا أو كرها تتدخل في تفاصيل حياتنا، وتعيد صياغة عقولنا وترتيب أولوياتنا وتُطعمنا الكثير من المفاهيم، وتسقينا ما تشاء من القيم ، وحتى نحد من الاستلاب الحضاري ينبغي علينا القيام بعملية تجديد في الفكر الديني في مختلف الحقول وإنتاج نظريات مستنبطة من الأدلة الدينية تقدم البديل الموازي، سواء في حقل الفكر أو التربية أو الاجتماع أو السياسة أو الاقتصاد أو غيرها.
أن هذا التقدم والتطور الحضاري تمثل التحدي الأكبر للدين ، فمثلا الدين في مجتمعاتنا تقوم أو مبني على عالمين هما : عالم الشهادة وعالم الغيب ، في حين أن الحضارة الغربية تعترف بعالم الشهادة فقط ولاتعترف بعالم الغيب وما فيه من جنة ونار وووو الخ وتعتبر ذلك من باب الخرافات والأوهام.

ان مجتمعاتنا تقوم على النقل من النصوص التشريعية باعتبار هذه النصوص قد أتت عن طريق الوحي من الله أو الملائكة أو الصحابة ويقوم على عقل يتعامل مع هذا النقل كما يتعامل مع الكون المحيط به ، في حين أن الحضارة الغربية تقوم على عقل يتعامل مع الكون المادي المحيط به فقط ولاتعترف باي نقل ، وأن ما جرى في اوروبا يتمثل في أن النظام الديني لم يستطع بعد لحظة الحداثة والتحديث احتواء النظام الاجتماعي بتطوراته المتلاحقة وتحولاته المتسارعة والسيطرة عليه ، فوقع الصدام المعروف بينهما ، وأن طبيعة العلاقة في مجتمعاتنا بين النظامين الديني والاجتماعي يمكن وصفها بالحالة المتوترة المرشحة لوقوع الصدام على غرار ما حدث في اوروبا .

فالدين بمفهومه القديم كان قد وجد لحاجات في نفسه ، كالحاجة النفسية المتمثل بالخوف ، حيث كان الانسان قديما يخاف من مظاهر الطبيعة التي كانت تشكل في الكثير من الأحيان خطرا على حياة الإنسان وعلى رزقه ومصدر معيشته،  كالرعد والبرق والماء والنار والشمس والقمر والهواء وغيرها ، ونتيجة لهذا الخوف فقد صنع الانسان لنفسه آلهة يحمي بها للتخلص من هذا الخوف ، ولذلك فقد كانت هناك آلهة للنور أو الماء أو البرق أو الرعد وهكذا ، وكل ماكان يشعر بالخوف يلجأ إلى هذه الآلهة لطلب النجدة والحماية ، والحاجة الاجتماعية المتمثلة بتقوية الروابط الاجتماعية ، إلا أن الآن قد استبدل هذه الحاجة بمفاهيم جديدة أكثر قوة من الدين إلا وهو مبدأ المواطنة، ومن هذا المنظور يصبح الدين أكثر الايديولوجيات بدائية وتخلفا لأنه أقل الانظمة الفكرية انسجاما مع ذاتها و تشكل الخرافة أحد

مرتكزاته الأساسية

الذي أقصده هنا أن هذا الفكر الديني قد ولد من رحم واقع يسوده الجهل والتخلف وليس من واقع العلم والمعرفة والتطور ، لذلك اصبح هذا المفهوم لاينسجم ولا يلائم الحالة الاجتماعية اليوم ولايستجيب لمتطلبات الواقع ، وهذا ما احس به مفكروا النهضة الاجتماعية الأوروبية بعد قرون طويلة من الاستعباد الديني واستغلاله من أجل السيطرة على عقول الناس .

ويقول العلامة احمد القبانجي : وعندما كان الانسان في بدايته لم تكن هناك شكوك حول الدين ، ولكن بعد الاكتشاف العلمي تبين بأن هناك تناقض في عدة مسائل وتعددت طرق اكتشاف الحقيقة بعد أن كانت واحدة ، فمثلا كان هناك دين واحد أو مذهب واحد يأخذك إلى الجنة ، الآن بدأ الناس يتساءل اين الدين الحق واي الطرق التي تؤدي إلى الدين الحق ؟ الآن الانسان له الحرية في اختيار نحو الدين الحق وهذه هي الحرية الإنسانية،  فلا قيمة للدين أو التدين إذا كان مفروضا على الانسان ، مثال على ذلك عندما يلبس الطفل ثوبا في الصغر وهذا الطفل عندما يكبر لا يلائمه هذا الثوب لانه تكامل عقله والثوب هو نفسه ، ويضيف أن الدين هو الصدف اي الصدف الذي وضع فيه الدين الحقيقي أو جوهر الدين ، إذن يجب كسر هذا الصدف للوصول إلى الدين الحقيقي  .

لا يمكن لأي فكر بشري أن يكون قادرا على البقاء أو الثبات ، هذا إذا اعتبرنا أن النصوص الدينية أو الشرعية من صنع البشر ، لأن لكل زمان له احتياجاته ومتطلباته ، فقبل ٣٠ سنة إذا كان الانسان لم يمتلك أو يحمل معه جهاز تلفون ( الموبايل ) ماكان يشعر بفقدانه لشيء أو حاجته إليه ومع ذلك كان الحياة تسير بشكل طبيعي ، أما اليوم إذا خرجت ولم يكن معك هذا الجهاز فسوف تشعر بأنك منعزل عن العالم ، وكذلك الحال بالنسبة للكهرباء ،فقديما ماكان هناك كهرباء اصلا بينما كانت الحياة تسير بشكل طبيعي اما اليوم فإذا الكهرباء تنقطع ساعة واحدة فقط وخاصة في الدول المتقدمة فان الحياة تتوقف وتتوقف البشرية عن كل شيء لأن كل شي اليوم اصبح مرتبط بالكهرباء ، إذا احتياجات الانسان ومتطلباته في كل زمان ليست واحدة وانما قابلة للتغيير والتطور وعليه يجب أن يتطور معها الفكر البشري لكي يكون قادرا على الاستجابة لكل هذه المتطلبات والمتغيرات ، وبحسب هذه الاحتياجات والمتطلبات سوف تتولد لدى الانسان أسئلة كثير ومتغيرة ويجب على النصوص الدينية أو الشرعية أن تجاوب على كل هذه الأسئلة وبشكل منطقي واقعي يلائم روح العصر لأن الدين قد وجد اصلا لخدمة الانسان وليس العكس .

فالتجديد قدر الحياة وسنتها، والماء الذي لا يتجدد يأسن ويفسد، ولا يعود صالحاً للاستعمال الإنساني. ومن المؤسف أن المشكلة التي نعيشها منذ زمن هي نفسها لا تزال تدور في حلقة مفرغة لا فكاك منها ، فالتجديد كقضية مبدئية يمثل المشكلة والحل معا ، انه مشكلة لانه ليس هناك من يريد البدء به ، وحل لانه ليس هناك بديل للتجديد للخروج من نفق الوهم والتخلف الفكري ، ومما يؤسف له أن رجل الدين واشباهه هم الذين يصرون على رفض التجدد لعلمهم المتيقن أن حدوث مثل هذا التجديد سيقطع رزقهم ، فهو لا يريد أن يستخدم عقله في عالم لا يقبل سوى سلطة العقل ، ولم يكتف رجل الدين بذلك بل امتد سلطانه إلى كل شيء في الحياة، ما من موضوع إلا وتجد له فيه رأيا .

ولايخفى أن عملية التجديد ليس سهلا وانما هي عملية معقدة ولا تخلو من صعوبة بسبب تصادم الديني مع الدنيوي ، الديني بجموده وخموده ، والدنيوي بحيويته وديناميكيته ، في مقابل حقيقة أن الفكر الديني ذاته ينحاز إلى الماضي ، في حين يسعى الجديد إلى نقله إلى الحاضر على مستوى التفاعل الايجابي كمرجعية فكرية قابلة للتعامل الإنساني .

ولكن على الانسان ان يكافح ويناضل من اجل التحرر من كافة صنوف القهر والتسلط لاطلاق طاقاته وابداعاته الخلاقة وتحرير العقول من الجمود والتقليد والعيش في الماضي والموروث الديني كمقدمة لخلق حالة من التوافق والتفاعل مع الحضارة العالمية بمنجزاتها المادية والفكرية ، فالدين أصبح اليوم أداة للقتل والإرهاب وقطع الرؤوس بل ومصدرا لاشاعة روح الكراهية والطائفية بين أبناء البشر بدلا من الرحمة والانسانية التي جاء من أجلها .

لذا فان مجتمعاتنا احوج ماتكون اليوم إلى نهضة اجتماعية وفكرية قبل كل شي ثم يأتي النهوض في الجوانب الأخرى تلقائيا ، وان مهمة ذلك تقع على عاتق المفكرين والمثقفين والمتنورين كالنهضة الاجتماعية والدينية التي حصلت في اوروبا والذي يقطف ثمارها اليوم ، وان من قاموا بذلك ليسوا قادة أو امراء أو رؤساء العشائر أو مسؤولين في الدولة أو الحزب وانما كل ما كانوا يمتلكونه هو الفكر ثم الارادة والجرأة والتضحية .

فالتجديد لا يأتي بقرار حكومي أو مرسوم أميري أو فتوى دينية بل هو حصيلة وعي الطبقة المثقفة في المجتمع وانتباهها للمشاكل التي تواجهها ووضع الحلول المناسبة لها من خلال وعي حقائق الدين ومن خلال فهم الواقع وابداع قواعد التجديد واحكامه ، فالمثقف أو المفكر هو المصلح الاجتماعي الحقيقي الذي يحت

اجه اي مجتمع لأنه يتعاطى مع الواقع بالفكر والتفكير وليس بالتوجيه أو الأحكام أو القوالب الجاهزة كما يفعل غيره من المؤثرين في المجتمع.

المصادر الذي تم الاستفادة منها في كتابة المقال :
١- بدر شبيب الشبيب ، تجديد الفكر الديني
٢- الفيلسوف الهندي اوشو ، لعبة العقائد
٣- أكرم النبي ، جدل وجهي الاصلاح السياسي والديني
٤- احمد القبانجي ، هل نحن بحاجة الى الدين ؟
٥- احمد القبانجي ، حسنات الدين وسيئاته
٦- السيد كمال الحيدري ، مطارحات في تجديد الفكر الديني .