ايزيدي 24 – كرار رفعت

 

على ضفاف نهر دجلة في بغداد، يحتفل الصابئة المندائيون، بأحد أشهر أعيادهم السنوية والمعروف بالعيد الكبير او عيد الخليقة، ويعرف أيضاً بعيد البرونايا باللغة الآرامية المندائية، وفيما يقيم المندائيون طقوس الاحتفال والتعميد في الماء الجاري وذبح الأضاحي، أستقبلوا في الوقت ذاته أصدقائهم من ذوي الخلفيات الدينية المختلفة مسلمين ومسيحيين وأيزيديين، لمشاركتهم المناسبة وتبادل التهاني.

وعند المكان المخصص للطقوس في أرض التعميد المحاذية لنهر دجلة، أنتظرنا الريشمة ستار جبار الحلو، الزعيم الديني للصابئة المندائيين في العراق والعالم، لنسأله عن رمزية هذا العيد في المعتقد المندائي، فأجابنا أن “المندائيون يحتفلون بأربع أعياد دينية هي البرونايا والثاني هو دهوا ربا والثالث دهوا حنينة وآخرها عيد التعميد الذهبي او دهوا آد ديمانه”، مضيفاً “لكن يبقي البرونايا الذي يستمر خمسة أيام عيداً يستقبله المندائيون استقبالا جميلاً ويفرحون بقدومه لأن أبواب النور تفتح في هذه الأيام، وتنزل الملائكة والأرواح الطاهرة من السماء على الأرض، لتصبح الأرض جزءاً من عالم النور”.

وأوضح، أن “الأيام الخمسة هذه تسمى الأيام البيضاء يتساوى فيها الليل والنهار ويتمكن الإنسان المندائي من أداء طقوسه الدينية متى يشاء ليلاً ونهاراً خلافا لبقية أيام السنة التي يقتصر أداء الطقوس فيها على النهار حصراً، كما أن الكون والبشرية خُلقت بهذه الأيام الخمسة”.

 

  • ولادة جديدة في مياه يوحنا المعمدان

ويحيي الصابئة طقوس العيد بالملابس البيضاء في نهر دجلة، والتي وضحها رجل الدين المندائي الأشكنده سالم الخميسي، بالقول “نرتدي الزي الأبيض أثناء إحياء مراسيم التعميد، وهي الملاب التي كان يرتديها نبينا يحيى بن زكريا، ونقوم بإدخال المعتمد إلى النهر وإخراجه لكي يغتسل من ذنوبه وخطاياه مهما كانت كبيرة، وأثناء ذلك نرتل نصوص الكتاب المقدس للمندائيين (الكنزا ربا)؛ البركة لجميع المؤمنين ولجميع المندائيين المصبوغين في الماء الحي الذين للحي (الله) يشهدون والأعمال الصالحة يعملون. وعندها يخرج المعتمد كأنه ورقة بيضاء قد أغتسل من كل الخطايا والذنوب”.

وترمز عملية الغطس تحت المياه إلى الموت، ويرمز الخروج بعدها لسطح الماء بعدها إلى ولادة جديدة.

ويرى الناشط المندائي ساري الصابري، أنه “من هذا التعميد تأتي تسمية الديانة، إذ أن كلمة الصابئة مشتقة من الجذر صبا والذي يعني باللغة الآرامية اصطبغ، غط أو غطس في الماء الجاري”.

وأضاف أن “هناك طقساً دينياً آخر لدينا في العيد ويتمثل بالثواب، ويسمى بالفاتورة او المائدة، والتي تعني مشاركة أرواح الموتى ومساعدة المخطئين منهم في العالم الآخر وتكون عن طريق قراءة إحدى الصلوات المندائية على الطعام، لنرسلها ثواباً إلى النسمة او الروح الموجوده هناك حتى تنفك من خطاياها”.

ويستخدم الصابئة المندائيين التعميد في أيام الأعياد وفي الزواج والوفاة، كما يتم تعميد الأواني في ماء النهر الجاري، ويرتدون ملابس خاصة بيضاء في التعميد، بحسب الصابري.

 

  • أصدقائهم من أديان اخرى أيضاً يحتفلون

ويبدوا أن المشتركات التي تجمع المندائيين مع شركائهم في البلد عميقة، والتي تعود لجذورها الضاربة في تأريخ بلاد ما بين النهرين، وإنطلاقاً من هذه المشتركات بادر مجموعة من الشباب والشابات مسملين سنة وشيعة، مسيحيين وأيزيديين بتقديم التهاني لأصدقائهم المندائيين.

ويقول سركَيس يوخنا، وهو ناشط مسيحي، أن “جذورنا واحدة في العراق ومصيرنا واحد في العراق، لا مناص من تكاتفنا وتآخينا، صحيح أن الماضي مؤلم، تعرضنا لسنوات مستمرة لظلم سياسي وإجتماعي نتج عنها لاحقاً هجرة كبيرة تضاعفت مع دخول احتلال داعش، لكن التفكير بالماضي سوف يجعلنا سجناء كراهيات إلى ما لا نهاية، لا بد أن نتحرر من الكراهيات ونسير بما يمكن إصلاحه في العراق، أن مبادرتنا هذه بمشاركة اخوتنا المندائيين وبرفقة اصدقاء آخرين مسلمين وأيزيديين، ما هي إلا دليل على طموح الشباب والشابات اليوم بتعزيز آفاق التعايش في مرحلة ما بعد داعش.

في ذات السياق، يرى نور الدين الحمداني، وهو ناشط شاب عربي من محافظة الانبار، أن “الظروف التي نجمت عن اجتياح داعش وتهديده لتعددية العراق، سهلت هجرة الاقليات الدينية من جهة، وتقوقع المتبقون منهم على أنفسهم من جهة أخرى، لذا من المهم ان تبادر المجتمعات العربية او المسلمة، لزيارة الاقليات الدينية، والتعرف على مجتمعاتهم المحلية، مناسباتهم وطقوسهم، لكسر حاجز الجهل بالآخر المختلف، الذي يولد حزازيات مجتمعية من قبيل؛ المسلم لا يتقبل الأيزيدي، والمسيحي يكره المسلم، والصابئة سحرة وإلى آخره من  الأفكار المغلوطة التي ولدها الجهل بالآخر المختلف”، مؤكداً أن “مشاركة اهل الاديان والقوميات الاخرى في العراق بمناسباتهم ومباركتهم توطد اوصر المحبة بين جميع المكونات العراقية”.

بينما تقول الشابة الأيزيدية رانيا سالم “انها فرصة لشابة مثلي ان تدخل مكانا مندائيا دينيا وتختلط ببقية الشبان من المكونات الاخرى، لقد كنا اليوم ايزيديين ومسلمين ومسيحيين ومندائيين معاً على مائدة طعام واحدة”.

وجاءت مناسبة عيد الخليقة لتكمل صورة حراك مجتمعي يقوده الشباب والشابات العراقيون للوحدة بمختلف انتماءاتهم في مقابل الإنقسام السياسي، ففي بلاد ما بين النهرين التي تنقسم فيها خطوط دينية وقومية وعرقية، تظهر للعيان بين الحين والآخر، مبادرات غير رسمية، مثل مبادرة هؤلاء الشبان، تعبر عن الرغبة في تعزيز التعايش وبناء السلام في عراق ما بعد داعش، والأحتفال بمناسبات الاقليات بوصفها فرصة لتأكيد التضامن والتعايش بين العراقيين، مقدمة صورة عن عراق آخر.

جدير بالذكر أن المندائية تعد احدى أقدم الديانات الموحدة عرفتها البشرية، وقد نشأت في أرض وادي الرافدين، وتحديدا جنوب العراق في مدينة “أور”، والمناطق السهلية القريبة من الأهوار والأنهار، لما لهذه البيئة من مناخ مناسب لأستمرارية المندائية وديمومتها منذ الحضارة السومرية حتى يومنا هذا.