جميل محسن

ظهرت النتائج الأولية الغير الرسمية للانتخابات المحلية في تركيا، التي أُجريت يوم الأحد الماضي، حيث تعرض حزب العدالة والتنمية الحاكم لانتكاسة كبرى بعد خسارته رئاسة 11 بلدية كبرى وولاية، على رأسها العاصمة السياسية أنقرة والعاصمة الاقتصادية إسطنبول، وتُعد خسارة بلدية إسطنبول هي الضربة الأكبر للرئيس التركي “أردوغان” وحزبه، الذي دائمًا ما كان يردد عبارة “من يفوز بإسطنبول يفوز بتركيا كلها”، كما أنها تمثل خسارة شخصية لأردوغان، فهي المدينة التي نشأ بها، وبدأ منها مشواره السياسي عندما ترأس بلديتها في التسعينيات، وكانت سببًا في صعود نجمه على الساحة السياسية التركية لما حققه من إنجازات كبرى بالمدينة خلال رئاسته لها.

وفي هذا الإطار، يُمكن تناول نتائج الانتخابات المحلية في تركيا ودلالاتها وأسباب خسارة حزب العدالة والتنمية عددًا من البلدات والولايات على نحو ما يلي تفصيله.

دلالات أساسية:

‎تُشير نتائج الانتخابات المحلية لعدد من الدلالات، أبرزها ما يلي:

‎1- خسارة حزب العدالة والتنمية نحو 11 بلدية كبرى وولاية، على رأسها العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول العاصمة الاقتصادية لتركيا ومدينة أنطاليا، مقارنة بالانتخابات المحلية التي أُجريت في عام 2014 التي استحوذ فيها حزب العدالة والتنمية على 50 بلدية وولاية، في حين فاز بالانتخابات الأخيرة بنحو 39 بلدية وولاية.

‎2- إلحاق حزب الشعب الجمهوري المعارض الهزيمة بحزب العدالة والتنمية الحاكم في عدد من البلديات الكبرى على رأسها أنقرة وإسطنبول وأنطاليا وأضنة وأزمير، وتمكنه من زيادة عدد البلديات والولايات التي فاز بها بنحو 8 بلديات كبرى وولايات، مقارنة بالانتخابات المحلية التي أجريت في 2014 والتي فاز فيها بـ13 بلدية وولاية، في حين فاز في الانتخابات الأخيرة بـ21 بلدية وولاية.

‎3- تُمثل خسارة حزب العدالة والتنمية للعاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول انتكاسة كبرى للحزب، حيث ظل الحزب مسيطرًا على هاتين المدينتين الكبيرتين منذ تأسيسه في عام 2002، فضلًا عن إسطنبول التي تُعد إحدى أكبر مدن تركيا ومركزها الاقتصادي والمالي والثقافي ، كما تمثل خسارة إسطنبول هزيمة شخصية لأردوغان، فهي المدينة التي نشأ فيها واستهل منها مسيرته السياسية، حيث كان رئيسًا لبلديتها في الفترة 1994 – 1998 وكانت سببًا في صعود نجمه على الساحة السياسة التركية لما حققه من إنجازات كبرى بالمدينة خلال رئاسته لها.

‎4- كانت انتخابات بلدية إسطنبول تحديدًا بمثابة استفتاء مباشر على شعبية حزب العدالة والتنمية، وخسارتها هي هزيمة مباشرة للحزب، وذلك بعد دفعه برئيس الوزراء ورئيس البرلمان السابق “بن علي يلدريم”، الذي استقال خصيصًا من رئاسة البرلمان لخوض الانتخابات على منصب رئيس بلدية إسطنبول، على أمل الاستفادة من تاريخ إنجازات “بن يلدرم” في المدينة، حيث أنجز العديد من مشروعات البنية التحتية فيها مع “أردوغان” أثناء توليه رئاسة البلدية في التسعينيات، بالإضافة إلى إنجازاته في مجالات النقل والمواصلات بعموم تركيا خلال توليه وزارة النقل في الحكومات التركية المتعاقبة منذ عام 2002، فضلًا عن كون “بن يلدرم” من الشخصيات التاريخية المؤسسة لحزب العدالة والتنمية، وتوليه رئاسة الحزب في عام 2016.

‎5- احتفاظ حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بمعاقله الرئيسية في مناطق شرق وجنوب شرق تركيا ذات الغالبية الكردية، رغم التضييق الأمني الذي يتعرض له الحزب من قبل السلطات التركية، باستثناء ولاية “شرناق” التي انتزعها حزب العدالة والتنمية من الحزب الكردي

أسباب التراجع:

‎ترجع خسارة حزب العدالة والتنمية عددًا من البلديات الكبرى والولايات في الانتخابات المحلية الأخيرة إلى مجموعة من العوامل، أبرزها:

‎1- تدهور الأوضاع الاقتصادية أثرت سلبًا على مستوى معيشة المواطن التركي، ما دفعه لمعاقبة الرئيس التركي “أردوغان” وحزبه العدالة والتنمية في صناديق الاقتراع، ولم يقتنع الناخب التركي بتبريرات “أردوغان” بأن تراجع الاقتصاد هي مؤامرة على بلاده.

‎2- تراجع الديمقراطية والحريات: أدى تفعيل النظام الرئاسي في البلاد بعد فوز الرئيس “أردوغان” وحزبه بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أُجريت في يونيو 2018 إلى تمتع “أردوغان” بصلاحيات تنفيذية واسعة، حيث واصل “أردوغان” استهداف المعارضين بدعوى انتمائهم لحركة الداعية المعارض “فتح الله جولن” المتهم بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة، أو لصلتهم بتنظيمات إرهابية كردية ، فقد كانت الانتخابات الأخيرة بمثابة استفتاء على النظام الرئاسي الجديد، واعتبرتها المعارضة معركة كبيرة من أجل استرجاع الديمقراطية والحريات العامة.

‎3- تحالف أحزاب المعارضة: حيث قامت أحزاب المعارضة بالتنسيق الجيد في مواجهة حزب العدالة والتنمية، حيث تحالف حزبا الشعب الجمهوري والخير في “تحالف الأمة”، ولم يقوما بتقديم مرشحين في الولايات التي يتمتع فيها الآخر بحظوظ فوز كبيرة منعًا لتفتيت الأصوات، وقام حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بالتنسيق معهما رغم عدم انضمامه للتحالف، وهو ما ظهر في عدم تقديمه مرشحين لإسطنبول وأنقرة، ما أعطى فرصة كبيرة للشعب الجمهوري للفوز بهما للمرة الأولى منذ أكثر من 17 عامًا.

‎وهذا التنسيق على هذا المستوى بين أحزاب المعارضة ربما يحدث للمرة الأولى، فرغم أن حزبي الشعب الجمهوري والخير خاضا الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة بنفس التحالف؛ إلا أنهما تقدما بمرشحين مختلفين لمقعد الرئاسة والمقاعد البرلمانية ما أدى لتفتيت الأصوات.

‎وختامًا، فإن نتائج الانتخابات المحلية تثبت محورية العامل الاقتصادي في السلوك الإنتخابي للناخب التركي، حيث كان تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد أحد الأسباب الرئيسية لخسارة حزب العدالة والتنمية عددًا من البلدات الكبرى، الذي طالما اعتمد في فوزه بالانتخابات السابقة بالأساس على إنجازاته الاقتصادية الكبرى. ومن هذا المنطلق فمن المرجح أن يحتل الاقتصاد أولوية في السياسة التركية داخليًّا وخارجيًّا خلال المرحلة المقبلة